النملة الكذوب.


أخبرني احدهم اعرفه واعرف منبته، صادق صدوق، أنه في أمسية أحد الأيام كان يجلس رفقة اخيه في حَوْشُ الدار (فناء)،يتجاذبون أطراف الحديث، من كل مفصل طرطقة ومن كل عين رمشة، احتواهم الكلام وحملهم على أجنحة رباعية ليطوف بهم عوالم الإنس والجان والكرم وعزم الرجال، من كل رأس شعرة ومن كل اكمة فلة، حتى الفلاحة وقساوة الطبيعة والجفاف وندرة الماء في منطقتنا والنزوح الجماعي للأرياف كان له الحظ الأوفر من الحديث، من العتيق الي سارق الرق وفوة والخنيق والرملية وصبرة والحقف، سردوا أجمل المواقف الرجولية وتحمل الرجال للشدائد وقساوة الطبيعة وصعوبة معيشة الموالين وكيف كانون يعانون شتاءا وصيفا، مرارة تقابلها فرحة بدون بسمة، وغصة تقابلها بسمة بدون تذوق ولا حس.

بين الجمل والكلمات وتبادل النظرات كان للأخوة معنى وعمق وإتصال عاطفي وحد دقات القلوب، في هذا الوقت القاسي الذي فرق أكثر مما جمع.

بينما هما في وسط الحديث والتركيز على شواهده، شاهدوا نملة سوداء  تقترب من حبات قمح في وسط الفناء، لفت المشهد أنظارهم، وجذب تركيزهم ، النملة تدور حول الكنز الغذائي ثم تعود من حيث أتت، إستغرب الأخوة ونسوا أحاديثهم واحتواهم الصمت الذي خيم عليهم وضرب اطنابه على المكان، وهم على هذه  الحالة حتى شاهدوا النملة تعود من جديد رفقة المدد من النمل من أجل أخذ حبات القمح.

هنا خطرت لهم فكرة ارادوا من خلالها اللعب مع النمل ومعرفة ردة فعلهم، فقاموا بإخفاء حبات القمح وبقوا يتابعون المشهد وكأنهم يشاهدون مسرحية أبطالها النمل على المباشر.

وصلت النملة والمدد ولكنهم لم يجدوا شئ، عاد المدد من حيث أتى وبقيت النملة المسكينة تلف وتدور ، تحرك قرون إستشعارها مستغربة حزينة لإنها لا تعرف الكذب أبدا وها قد وقعت ضحية موقف مخزي، لم تتعود عليه.

هنا قام الاخوة بأعادة حبات القمح الي المكان المعلوم وبقوا يشاهدون التفاصيل الجديدة للعبة، بسرعة إكتشفت النملة مكان الكنز ، عادت مسرعة فرحة لجلب المدد ، بعد قليل من الزمن عادت ومعها خمس نملات، فقام الاخوة من جديد بإخفاء حبات القمح، وصلت النملة والمدد الي المكان ولكنهم لم يجدوا شئ، هنا شاهدوا موقفا حزينا لم يكن في الحسبان، مشهد درامي جعلهم في حزن شديد من هول القساوة وردة فعل مدد النملات اللواتي إجتمعن على النملة الكذوب وهي لم تكن كذلك وقمن بمعاقبتها وتقطيعها الي قسمين وعادوا من حيث أتوا تاركينها أشلاءا ممزقة.


0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
فضفضة © جميع الحقوق محفوظة